الخميس، 19 أبريل 2012
الأربعاء، 18 أبريل 2012
السادات يغني لجيهان في
عيد ميلادها بدلا من التورتة..!
الدكتوراه المقدمة من السيدة جيهان رءوف حرم الرئيس السادات عن الشعر الرومانسي..
جاء الرئيس السادات وأفراد الأسرة وجلسوا في الصف الأول، وجلس الكاتب أنيس منصور
بالقرب من السيدة جيهان التي كانت واقفة تنظر يمينا وشمالا وهي تقول: والله أنا
متلخبطة، صحيح أنا عارفة كويس قوي وإيه اللي أنا حاقوله.. لكن
امتحان.
ذكريات ذلك اليوم البعيد بعد أن حصلت سيدة مصر الأولي حينها جيهان
السادات على درجة الدكتوراه - التي أشرف عليها د. سهير القلماوي - يرويها لنا على
لسان أنيس؛ المؤلف إبراهيم عبد العزيز في كتابه "رسائل أنيس منصور" الواقع في 504
صفحة من القطع الكبير.
يقول أنيس: في اليوم قابلت الرئيس السادات في بيته
وبادرني بقوله: إيه رأيك؟
- قلت: والله يا ريس الدكتورة جيهان كانت
مذاكرة وموضوعها بديع.
- وإيه كمان؟
- لابد وأن تطبع هذه
الرسالة
- هه.. وملاحظتش حاجة يا أنيس؟
- زي إيه يا
ريس؟
- زي إيه.. وهو أنا اللي حاقول لك.. ما كان الكلام
قدامك.
- ربما بعض الاضطراب.. طبعا الأساتذة بيتناقشوا قدامك يا
ريس.
- آه فيه حاجة تانية.. هاها.. هاها.. ما خدتش بالك إن جيهان كانت
طول الوقت.. هاها.. بتقول حاضر يا فندم.. هاها.. خدت بالك.
- أيوه يا
ريس.
- لكن دي حاجات ما بنشوفهاش في البيت.. هاها..
هاها.
- طالبة أمام أساتذتها.
- نعم.. حاضر.. على طول
الخط.. هاها.. هاها.. آه نسيت أقولك تعرف جيهان مبسوطة من إيه.. من حاجة أنت كتبتها
وبتوريها لكل الناس.. أنت أهديتها كتابك الأخير وجعلت الإهداء "إلى الزميلة" جيهان
رءوف.. سعيدة جدا بحكاية "الزميلة" دي.. أنا قلت لها لازم تقرأ سلسلة "في صالون
العقاد كانت لنا أيام" إللي أنت بتنشرها في مجلة "أكتوبر".. أنا والله يا أنيس بسيب
كل شغلي واقؤأ السلسلة العجيبة دي.. أنا كنت غايب عن الدنيا اللي أنتم عايشين
فيها.. أنا في ناحية تانية خالص.
كان السادات في أعماقه فنانا جرب أن يمثل
ويغني ويقرأ القرآن في شبابه، ولم ينكر ذلك بعد أن أصبح رئيسا للجمهورية. وقد قال
يوما للسادات: أنا رجل فنان. أحب الفن وأقدره وأجد متعة في لقاء أهل الفن والاستماع
إليهم.. ولولا هموم السياسة ما رفعت عيني ولا أطبقت أذني عنهم.. فأنا فنان.. أحب
الكلام الجميل والصوت الجميل.. وكنت وكنت.. حاقول لك إيه؟
- كنت
تغني يا ريس؟
- أيوه.. أمال أنت بس اللي بتغني يا أنيس.. أنا كنت باغني
وكان من الممكن أن أكون مطربا.. هاها.. هاها.
- طبعا لابد انك غنيت يا
ريس لابد.
- طبعا.. أيوه يا أخي غنيت وأقدر أسمعك دلوقت. وغنى الرئيس
للسيد درويش.. وكان صوته جميلا.
أحد أعياد ميلادها قال لها السادات: يا جيهان أنا ما عنديش فلوس أجيب لك تورتة..
ولا عندي فلوس لكي نذهب إلى أحد الفنادق.. أنا حاغني لك، ثم غنى "يا ريتني طير"
إحدى أغنيات فريد الأطرش، وكانت الملكة ناريمان معجبة بفريد الأطرش، فغنى لها
أغنيته الشهيرة: نورا.. نورا يا نورا.. وكان اسم دلع ناريمان هو نورا.
كان
السادات يتمنى أن يصبح فنانا، وكان ضمن فريق التمثيل في المدرسة.. وفي إحدى الأيام
جاء مذيع أمريكي ليجري حوارا مع السادات وفجأة قال له: ما رأيك يا سيادة الرئيس لو
أننا قمنا بتمثيلية معا. أنا أقوم بدور السادات وأنت بدور مناحم بيجن، وأن يكون هذا
التمثيل مرتجلا.
تكلم السادات بلسان بيجن مهاجما السادات والعرب، ثم طلب أن
يعود على نفسه ويرد على الكلام الذي قاله على لسان بيجن، وضحك السادات وهاجم بيجن
بعنف، وأكد لبيجن أن مثل هذا التفكير العتيق لن يحقق السلام بين إسرائيل
والعرب..!
وفي نهاية التمثيلية قال المذيع لأنيس منصور: مصيبة كبرى أن
يحكمنا هؤلاء الناس الذين هم أقدر على التمثيل من الممثلين أنفسهم!!
وسمع
أنيس من السادات ذات يوم أنه أخطأ الطريق إلى أمله، وهو أن يكون ممثلا أو مطربا،
وقد سمع السادات وهو يغني وكذلك وهو يرتل القرآن الكريم، فقد كان لديه إحساس بأن
صوته جميل النبرات.
كان السادات صاحب خيال واسع، وكان يؤمن بعبارة ماوتسي
تونج "لا ثورة بغير شعر"، أي لا ثورة بغير خيال وإبداع.. وكانت ثورة السادات قمة
خياله، وقراراته هي الإبداع نفسه، وانعكس خياله على سلوكه الشخصي، فقرر أن يظهر
أمام الناس في صور بسيطة يمارس فيها نشاطه وعاداته كمواطن لا كرئيس
جمهورية.
| الصورة التى أغضبت جيهان |
سعده رئيسا لتحريرها – صورا للسادات وهو يحلق ذقنه بالبنطلون والبيجامة، وهو على
الأرض يقوم بحركات رياضية، وهي الصور التي التقطها له الفنان الراحل فاروق
إبراهيم.
ذهب أنيس إلى الرئيس في القناطر، فوجد جيهان وهمت مصطفى وسعد
زغلول نصار، وكانت السيدة الأولى غاضبة فقالت لأنيس: إيه رأيك أنت؟
قال لها:
مفيش فيها حاجة.. إن رؤساء أمريكا ينشرون صورهم يلعبون ويصطادون السمك.. ولع
لالرئيس أراد أن يقول إن حياته بسيطة وإنه إنسان عاد جدا أو أنه في صحة
جيدة.
- لا.. لا يا أنيس.. لا.. الناس انزعجت لما شافت الصور.. صور وهو
على الأرض.. كيف تنشرها "أخبار اليوم"؟ الصور أساءت للرئيس جدا.. لا لا يا أنيس، ما
تقولش كده للريس.. اسأل همت واسأل سعد.
قالت همت: أنا رأيت الصور في الصباح
فانزعجت وتصورت أن سيادة الرئيس حصل له حاجة! وقال سعد: المراسلون الأجانب هلكوني
مكالمات.. إيه ده.. إيه اللي حصل.. إيه المعنى؟
ذهب أنيس وجيهان للسادات
وقالت غاضبة: كل الناس مش موافقين على نشر الصور، مفيش غير أنيس.
وقال الرئيس
لزوجته: إنها حديث الناس ليوم واحد، وبعد ذلك سوف يجد الناس أشياء أخرى.. لا تشغلي
بالك.
فردت جيهان غاضبة: كيف لا أشغل بالي؟ إن هذه الصور فضيحة..
كارثة!!
| أنور وجيهان مع ابنتهما لبنى |
| الرئيس الراحل أنور السادات مع جيهات وحفيده شريف |
| أنور السادات مع جيهان وبناته |
| أنور السادات مع جيهان وأولادهما |
| السيدة جيهان السادات |
| السيدة جيهان السادات |
| جيهان السادات في زي فلاحة |
| أنور السادات مع العائلة |
ومعلما
لم يجزم أحد أن
«أمير الحكاية النبيل» قد أحب الأميرة المصرية الوحيدة، ولكن ربما أنه بادلها
الإعجاب حينا، أو أنه شعر من داخله بحنوها عليه، وإيمانها به,, في مرحلة مهمة من
مراحل حياته الصعبة,, وبحماسها الشديد له وهو يشق طريقه بصعوبة في بداية رحلته مع
المحاماة.
وبإيمان المحبين,, فتحت الأميرة الشابة أبواب المجتمع الأرستقراطي
أمام «الزعيم المنتظر» عندما قررت أن يكون وكيلا لأعمالها، ومسؤولا عن كل قضاياها,,
فامتلك الثقة الكبيرة,, والمال الذي مكنه من التعرف على وجهاء هذا العصر من
المصريين والأجانب وكان من بينهم ـ كما يقول الدكتور عبدالعظيم رمضان ـ أفلن بيرنج
الذي عرف فيما بعد باللورد كرومر المعتمد السامي البريطاني,, وكان ذلك بداية لعودته
للوظائف المدنية رغم الحرمان المدني,.
وهناك من تمادى إلى أبعد من ذلك وقال إنها
هي التي رشحته للزواج من السيدة صفية زغلول,, ابنة رئيس الوزراء المصري آنذاك مصطفى
باشا فهمي,, وهو ما نفاه سعد باشا نفسه لأقرب المقربين حيث اعترف أن السبب في زواجه
من هذه السيدة الفاضلة هو صديق عمره قاسم أمين، وهو ما جعله يقول: لن أنسى هذا
الفضل لقاسم أمين ما حييت.
والمؤكد أن الأميرة نازلي فاضل لم تشعر بالارتياح ولو
للحظة لزواجه من السيدة صفية، لأنها كانت تدرك أنه سيقضي على أي أمل لها بالاقتران
به,.
إشاعة
حب
القصة الثانية في حياة زعيم الأمة,, كانت شائعة قوية ظلت تطارده حتى بعد
أن تزوج من السيدة صفية زغلول,, وكانت تتردد على ألسنة الكثيرين بمن فيها صديقات
عروسه الأولى والأخيرة,, وكانت الشائعة تقول إن «سعد» تزوج من إحدى بنات قريته في
سن مبكرة وأنه أنجب منها أبناء.
وهى قصة نفاها الكاتب الكبير عباس محمود العقاد
نفيا قاطعا عندما قال في كتابه عن سعد باشا: سألت العالم الفاضل المرحوم الشيخ محمد
فريد بك الأبياني فيها فاستبعدها جدا وقال «إني أعتقد أنها غير صحيحة، ويؤكد
اعتقادي أن أبيانه قائمة على أسر ثلاث هى أسرة «الزغاللّه» وأسرة زيد وأسرة حسام
الدين، فلو تزوج من بلدته لتزوج من إحدى هذه الأسر ولاشتهر ذلك، وبعيد جدا أن يتزوج
من فتاة من المجهولات الأنساب لأن هذا كان عارا شديدا بين أبناء الريف.
ويروي
عباس العقاد أن سعد زغلول كان مشغولا بدراسته للحقوق بعد زواجه، وأنه كان يعتكف في
حجرة في بيته يذاكر فيها دروسه، حتى ساعة متأخرة من الليل وأنه كان يحتفظ في هذه
الغرفة بسرير ينام عليه إذا غلبه النعاس حتى لا يزعج عروسه إذا دخل عليها الغرفة في
ذلك الوقت.
وبالرغم من ذلك
تجرأت بعض الصديقات وسألن العروس الشابة عما سمعن بأن عريسها متزوج من امرأة أخرى
في بلدته,, فابتسمت وقالت بخفة ظلها التي كانت تتجلى في المواقف الصعبة وقالت: نعم
إنه متزوج بأخرى موجودة معنا في نفس البيت.
وهنا ألجمت الدهشة لسان الصديقات,,
فتمادت السيدة صفية وقالت: سأريكن إياها وأسمعكن صوته معها في هذه اللحظة,,
واصطحبتهن ليقفن بحوار الغرفة,, ففوجئن بصوته وهو يقرأ في كتبه بصوت عال على طريقة
الأزهريين وهنا اتسعت ابتسامتها وقالت: زوجته هي هذه الأوراق,, إنها الضرة التي
تشاركني حياتي معه,, وهكذا قطعت السيدة صفية قول كل خطيب كما فعلت «جهيزة» في المثل
العربي الشهير,,!!
وهكذا تبقى قصة الحب الوحيدة في حياة زعيم الأمة باعتبارها
الحقيقة الوحيدة التي لم يتسرب إليها الباطل من بين أيديها ولا من خلفها.
عريس
بنت الوزير
عندما ولدت السيدة صفية مصطفى فهمي كان أبوها وزيرا، وعندما شبت عن
الطوق كان قد أصبح رئيسا لوزراء مصر,, كانت الطفلة المدللة لأبيها التي تأمر فلا
يملك الجميع إلا الطاعة,, الأب والأم,, والإخوة,, وحتى الخدم، وخاصة هذا «الأغا»
فيروز الذي حملها ودللها وهى صغيرة وأهداه لها أبوها عندما تزوجت من هذا المحامي
الشاب، لكنه فوجئ برفض الهدية، لأنه كان يرفض دخول الأغوات إلى بيته فهو فلاح «مصري
شهم، يرى أن خصي الرجل وحرمانه من رجولته ـ كما يقول الكاتب الكبير مصطفى أمين ـ
وبيعه كالرقيق عمل غير إنساني,, وهو لا يقبل أن تعيش في بيته جريمة تمشي على
قدمين.
عندما تقدم لخطبتها كان في الخامسة والثلاثين، وكانت هى في السابعة عشرة
من عمرها,, كان فلاحا بسيطا,, ومحاميا بسيطا,, وكانت هي فتاة أرستقراطية بكل معاني
الكلمة,, وكان مجرد إقدامه على خطبة هذه الفتاة بأصوله الكريمة البسيطة,, ومهنته
غير المقبولة,, جرأة يحسد عليها، وكان قبول أبيها لهذا الزواج جرأة من نوع آخر,,
تعكس الثقة في هذا الشاب الواعد، الذي يبعث بكلماته ومواقفه وتاريخه النضالي الثقة
فيمن يعرفونه، فهو شاب عصامي، ثار,, وسجن,, وتحدى الظلم، وبنى نفسه بسياسة الخطوة
خطوة,, واستطاع أن يصبح من المرموقين في سنوات قليلة، وأصبح يمتلك من الأطيان ما
يستطيع أن يؤمن به حياة عروسه.
ورغم ذلك كان الأمر «مخاطرة» أو «مغامرة» اجتماعية، ربما لم يكن
يفكر فيها إلا «زعيم منتظر» كان يدرك بفطرته أن الدنيا ستتحدث عنه، وأنه يملك
الكثير من الكنوز غير المنظورة في داخل عقله ونفسه,, ولهذا لم يفكرالعريس أن ينتمي
لرئيس الوزراء أو لابنته,, بل عمد لفرض إرادته منذ اللحظة الأولى، ولذلك فعندما
خطبها صارحها بأنه لا يحب أن تلون وجهها بالأصباغ والمساحيق، فوافقت,, وكانت العروس
الوحيدة من بين بنات طبقتها التي لم تتزين ليلة زفافها,, وظلت هكذا حتى آخر يوم من
حياتها,, والتي استمرت سنوات طويلة بعد رحيله.
في ليلة زفافها جلست أم العروس
تلقن ابنتها الصغيرة «سيناريو» الزواج الذي كانت تخضع له بنات الطبقة الراقية في
ذلك الوقت، وأخبرتها أن العريس سوف يصحبها إلى بيتها في عربة حنطور وأنه عندما ستقف
العربة سيهبط منها العريس ويقول لها «تفضلي»,, وأن عليها ألا تستجيب لدعوته أول ولا
ثاني مرة,, فالواجب أن تستجيب لندائه في المرة الثالثة.
وجاء العريس بالحنطور,,
وركبت العروس معه، وأمام المنزل في حي الظاهر، جلس وأشار لها بابتسامة وقورة وقال
لها «اتفضلي» فجلست صامتة,, وكانت المفاجأة التي لم تتوقعها,, حيث أدار العريس ظهره
لها وبدأ يسير في اتجاه البيت، وهنا قفزت العروس من الحنطور لتتابعه,, وكانت تتندر
كلما روت هذه الحكاية وتقول: «من يومها أصبحت أجري وراءه».
الطريق إلى بيت
الأمة
كان العريس,, زوجا,, وأبا,, ومعلما لعروسه الصغيرة التي نسيت أمام وقاره
واعتزازه بنفسه كل الجاه الذي عاشت فيه في بيت أبيها,, أحست أنه الرجل الذي تحلم كل
فتاة أن تقترن به، وأن تسير خلفه، وأن تستمع إلى كلامه وتطيعه بحب.
وبعد سنوات
قليلة انتقلت معه من بيته البسيط في حي الظاهر إلى القصر الذي أقامه من أجلها في حي
الإنشا,, والذي أصبح فيما بعد بيت الأمة.
كان يحلم بأن يملأ حجرات القصر أبناء وأحفادا، ولكن
القدر الذي أعطاه الكثير، حرمه من تلك النعمة، وإذا كان قد أنجب ذرية كبيرة في
الشائعات,, فإنه حرم من أن يكون أبا في الحقيقة,, وعندما أدرك استحالة تحقيق هذه
الأمنية بعد أن طاف بزوجته على أطباء أوروبا,, لم يفكر ولو للحظة في أن يتزوج
بامرأة أخرى غير هذه المرأة التى أحبها من كل قلبه، وملأت دنياه بحبها وحنانها
ورعايتها.
وفضل سعد باشا أن يتبنى ابني شقيقته السيدة رتيبة «والدة الكاتبين
الكبيرين مصطفى وعلي أمين» وسعيد زغلول الذي رحل في ريعان شبابه، بعد صدمة عاطفية
كبيرة عندما اختطف منه السلطان أحمد فؤاد «الملك فؤاد فيما بعد» المرأة الوحيدة
التي أحبها وهي الأميرة نازلي كريمة عبدالرحيم باشا صبري,, التي أصبحت فيما بعد
الملكة نازلي.
لم يكن سعد باشا يذكر موضوع حرمانه من البنين أمام زوجته إلا
بعبارات التهوين والسلوى فكان يقول لها: لقد فاتنا النسل فأصبحت هذه الأمة كلها من
أبنائك وأبنائي فنعم العوض الذي عوضنا الله به.
وكانت السيدة صفية بالرغم من
امتلاء البيت بالخدم والأتباع ترفض أن تكل الأشياء التي يهتم بها لأحد غيرها، فكانت
تشرف على تنظيف البيت,, وإعداد الطعام بنفسها كأي امرأة متزوجة من موظف
بسيط.
ومن النوادر التي كانت تروى عنها أنه كان سيد الموقف في بيته دائما لا
يغير من نظامه ولا طقوسه، إلا في يوم واحد من أيام الأسبوع، وهو ما كان يعرف بيوم
«التنفيض»,, ففي كل يوم كان يستيقظ في السادسة والنصف صباحا فيتناول القهوة ويصحب
صحفه إلى الحمام، حيث يحلق ذقنه ويستحم ويتناول إفطاره في حوالى ساعة,, ثم يخرج من
بيته إلى عمله إذا كان مرتبطا بالعمل في الوزارة، أو إلى مكتبه في البيت لمقابلة
زواره.
أما في يوم «التنفيض» فكانت زوجته تدخل عليه حجرته دون أن تنطق بكلمة
واحدة,, فيعرف أن عليه الإسراع في كل شيء,, في الحمام,, وأن ينتهي من تناول إفطاره
في دقائق,, وهي تعاجله في كل لحظة حتى يخرج من البيت,, فكان يداعبها بحنان بالغ
قائلا «مقلقة الراحات وهادمة اللذات» ويغدار البيت,, ليعود إليه ليجد أن كل غرفة
فيه قد تحولت إلى قطعة من البللور.
سعد باشا
الإنسان
كثيرة هى تلك
التفاصيل التى أذيعت ونشرت عن «الزعيم» سعد زغلول,, ولكن قليلا من التفاصيل عن
«الإنسان» سعد زغلول,, ترفعه إلى مصاف القديسين.
لقد كان «سعد» هذا الخطيب
المفوه,, التي تهتز الدنيا لكلماته,, وعباراته وخطبه الرنانة,, رجلا رقيق الحال في
بيته لا يسمع له صوت,, ولا يخشى خدمه زجره أو نهيه,, حتى إن زوجته السيدة صفية كانت
تشكوهم إليه وتدعوه إلى تخويفهم,, فكان يقول لها: هذا شأنك معهم,, افعلي ما شئت إلا
ما يتعلق بقطع الأرزاق.
وفي إحدى وصاياه لأم المصريين,, قال: «إذا همُمّ القضاء
وأدركتني الوفاة أرجو أن تصرفوا من تركتي مبلغ خمسمائة جنيه للحاج أحمد تابعي
وخمسمائة إلى محمد أحمد، ومائة إلى علي الفراش، إذا كانوا في خدمتنا عند حلول
الأجل».
وعند نفيه إلى جزيرة مالطة، كان لرفيق كفاحه حمد الباسل باشا خادم
يرافقه اسمه «حسن»,, وعندما وصلوا إلى بورسعيد، وعرف الخادم أن جهة النفي بعيدة،
اضطرب خوفا على مستقبل أبنائه,, فأمره سعد باشا أن يزيد له ولهم من المال حتى يطمئن
قلبه,, ولم يكتف بذلك، بل دعا زعماء الوفد إلى عقد اجتماع ـ على سبيل الدعابة ـ لما
أسماه بمجلس وزراء المعتقل، وقرر أن يمنح هذا الخادم لقب «بك» وأصبح الجميع ينادونه
باسم «حسن بك» طوال النفي,, وكان الرجل يعتقد أن خلع هذا اللقب عليه هو منحة رسمية
فظل يعتز به حتى وفاته.
وكان سعد باشا وفيا لأهله وأقاربه,, وقد لامه البعض أنه يعينهم في
المناصب الكبرى فكان يرد عليهم قائلا: إنني عند تساوي الدقة والكفاءة أفضل قريبي
علي غيره لأني بطبيعة الحال أثق بقريبي ثقة تامة في تنفيذ سياستي، أليست عليّ جميع
مسئولية الحكم؟ فهل تكون مسئولية على الرئيس إذا لم تترك له حرية تامة فى اختيار
معاونيه؟
وكان سعد باشا حريصا على أن يمنح أهله وأقاربه من ماله وأطيانه حتى
يرقيهم ماديا وأدبيا,, فقد أعطى من ملكه ستين فدانا لابن أخيه عبدالله بك زغلول
لأنه توسم فيه النجابة، ثم أعطاه أربعمائة فدان، وأوصى بالثلث من جميع الأموال التي
يتركها سواء كانت ثابتة أو منقولة إلى كل من «سعيد» و«رتيبة» ولدي شقيقته,, لكل
منهما النصف,, وذلك قبل أن يدرك الموت «سعيد» وهو في عنفوان
صباه.
لم يكن زعيم الأمة
راغبا,, أو مهتما بجمع المال، فلم يقبل في أي قضية من قضاياه كمحام أكثر من خمسمائة
جنيه، ولم يقاض في طلب حقوقه أحدا من مستأجري أرضه، وإذا تأخر مستأجر في دفع إيجار
أرضه علم أنه «معذور» وربما تنازل عن ثلث الإيجار أو نصفه إذا علم أن الكساد هو سمة
العالم لدى المزارعين.
ولهذا لم يكن بخزانته يوم نفيه الأول إلى مالطة سوى خمسين
جنيها,, ولم يكن بها يوم نفيه الثاني إلى سيشل سوى جنيه واحد!!.
سنة خامسة سجن» والذى يروى فيه ذكرياته ومذكراته وحكايات سياسية وصحفية واجتماعية كان شاهداً عليها أو مشاركاً فيها، واتخذ الكتاب شكل الرسائل التى يبعث بها مصطفى أمين السجين منذ عام 1965 حتى أفرج عنه الرئيس أنور السادات سنة 1974. فى الفصل الثانى عشر من الكتاب وعنوانه «هل أحب قاسم أمين مطربة! يروى مصطفى أمين قصة عشق وغرام لا حدود لها بين محرر المرأة ومطربة عصرها وفاتنة زمانها «وسيلة»! وإليكم الحكاية والسر واللغز وكما رواه مصطفى أمين!«رشاد» سجن ليمان طرة فبراير سنة 1970 قرأت فى عدد مجلة «الكواكب» رقم 969 الصادر فى 24 فبراير سنة 1970 اسم امرأة! لم يعرف المحررون أنهم يكتبون اسم امرأة خطيرة كانت فى يوم من الأيام ملكة جمال، ومطربة، وجاء اسمها فى مذكرات سير رونالد ستورس السكرتير الشرفى للمعتمد البريطانى فى مصر، وتردد ذكرها فى التقارير السرية التى كان يكتبها قناصل الدول الأجنبية فى مصر إلى حكوماتهم! بل أهم من هذا كله لم يعرفوا أن هذه السيدة الخطيرة كانت السبب المباشر فى انتحار قاسم أمين محرر المرأة! جاء فى صفحة بعنوان «الفن من 50 سنة» يقول سامى شوا - عازف الكمان المشهور - فى مذكراته أن سعيد باشا ذو الفقار كبير الأمناء طلب منه الحضور إلى قصر السلطان حسين «فحملت الكمان، وذهبت إلى السراى، وصعدت إلى جناح السلطان حسين، ووجدت مطربة السراى وسيلة ماثلة فى حضرته، وكانت مشهورة بإجادتها العزف على العود، وغناء الموشحات والأدوار، التى كان يغنيها عبده الحامولى، ولديها محصول كبير من البشارف، تعلمتها على يد أستاذها أحمد الليثى، وطلب السلطان أن تعزف له بشرف ثقيل الرصد، وعزفنا، أنا على الكمان ووسيلة على العود، وكانت تجيد العزف عليه بشكل ساحر، ثم انطلقت تغنى فى صوت رخيم، طرب له السلطان غاية الطرب، حتى إننا كلما انتهينا من أحد الأدوار طلب السلطان دورا آخر، حتى منتصف الليل» وبعد عشرة أيام استدعى السلطان سامى الشوا ليعزف بصحبة وسيلة، وظل السلطان يستدعينى كل بضعة أيام لأعزف له مع غناء وسيلة ما يحب سماعه». انتهى ما نشرته مجلة الكواكب... وبدأت أعود إلى ذكريات طفولتى فى بيت سعد زغلول، كانت تتردد على صفية زغلول سيدة طويلة القامة، ذات عينين واسعتين جميلتين، وذات شعر طويل يمتزج فيه السواد والبياض.. وكان اسمها وسيلة هانم.. وكانت كلما تسمع أن السيدة زينب هانم أرملة قاسم أمين تصعد درجات سلم البيت تضطرب وتختفى ثم تهرب من الباب الخلفى! وكان هذا المنظر العجيب يثير فضولنا ونحن أطفال.. وكان بعض سيدات الأسرة يمزحن مع وسيلة هانم هذه ويقلن لها «حرم قاسم أمين بك قادمة» فتقفز من مقعدها وتجرى عدوا لتختفى فى بدروم البيت.. ثم تعرف بعد ذلك أن الفتيات كن يمزحن معها، فتعود إلى مقعدها فى الصالون! وقيل لنا ونحن أطفال أن بينها وبين أرملة قاسم أمين خلافا شديدا، ولم نعرف وقتها، أو على الأصح لم يقل لنا أحد سبب هذا الخلاف الشديد! إن كل المؤرخين الذين كتبوا عن وفاة قاسم أمين قالوا أنه فى ليلة 23 أبريل سنة 1908 ألقى قاسم أمين خطابا فى نادى المعلمين وعاد إلى بيته، ثم شعر بألم وإرهاق، ثم أصيب بنوبة قلبية وتوفى على الأثر.. وكان المرحوم أحمد طلعت باشا وزير الحقانية ورئيس محكمة الاستئناف يروى لأصدقائه ولنا أنه كان أول من ذهب إلى بيت قاسم أمين عقب وفاته، ومعه يحيى إبراهيم باشا رئيس الوزراء السابق ورئيس مجلس الشيوخ السابق، وكانا مستشارين مع قاسم أمين فى محكمة الاستئناف، وأنهما وجدا فى جيبه حافظة نقوده وفتحا المحفظة فوجدا فيها صورة لسيدة ليست زوجته. وقال طلعت باشا «كلنا نعرف أن قاسم يحب هذه السيدة، وخشينا أن تقع الصورة فى يد زوجته زينب هانم، فيزداد مصابها هولا، واتفقت أنا ويحيى إبراهيم على أن نمزق الصورة إربا، وفعلاً مزقناها برغم أننا نعرف أنه كان حبا عذريا طاهرًا! ورفض طلعت باشا أن يذكر اسم السيدة المجهولة، وقال أن اسمها سر سيذهب معى إلى القبر، وعندما طلبنا منه أن نروى القصة على لسانه رفض، وقال أنه من الممكن كتابة القصة بدون الإشارة إلى اسمه، ولم يكن فى استطاعة أحد أن ينشر مثل هذه الرواية الغريبة، ومات طلعت باشا ولم يترك مذكرات عن هذا الحادث العجيب، وما كان لمؤرخ أن يعتمد على مثل هذه الرواية الخطيرة، فإن أحمد طلعت باشا مات، ويحيى إبراهيم باشا مات، ولكن هناك أشياء لا تموت وهى المستندات التاريخية، فقد ظهرت فى مذكرات الزعيم سعد زغلول خمس صفحات بخط يده تكشف الستار عن سر وفاة محرر المرأة. وقبل إزاحة الستار عن هذا السر يحسن أن نشرح العلاقة التى كانت بين قاسم أمين وسعد زغلول. المرأة الجديدة كان قاسم أمين لا يفترق عن سعد زغلول، وكان قاسم أمين هو الذى توسط فى زواج سعد زغلول بصفية زغلول، وكان سعد زغلول هو الذى وقف إلى جوار قاسم أمين عندما أصدر كتاب «تحرير المرأة»، وهوجم بعنف وضراوة، واتهم بالكفر والدعارة، ومنع من دخول قصر الخديو بدعوى أنه يدعو للإباحية، وأقفل الناس بيوتهم فى وجهه، وذهب عدد من الشبان المتحمسين إلى بيته فى شارع الهرم، واقتحموا البيت، وطالبوا قاسم أن يسمح لهم بأن يجتمعوا بزوجته على انفراد تطبيقًا لدعوته إلى سفور المرأة! عندما أقفل كبار المصريين بيوتهم فى وجه قاسم أمين فتح سعد له بيته، ودعاه هو وزوجته ليتناول الغداء والعشاء على مائدته ومائدة صفية زغلول، وأصر أن يخرج فى عربة مع قاسم أمين ويطوف شوارع العاصمة متحديا الأصدقاء الذين نصحوه بألا يظهر مع قاسم أمين فى مكان عام، وإلا ضربه الناس بالطوب! وعندما وضع قاسم أمين كتابه الثانى «المرأة الجديدة» متحديا العاصفة الهوجاء، ومطالبا بأن تحضر المرأة مجالس الرجال وتمارس الأعمال الحرة، أهدى كتابه الجديد إلى سعد زغلول صديقه الحميم ونصيره الأول.. ثم حدث خلاف بين الصديقين بسبب غريب. فقد كان قاسم أمين شأن كل الرجال الكبار فى ذلك العصر يحاول أن ينسى همومه فى لعب الورق .. وخسر مبالغ طائلة، أودت بثروته، وحاول سعد زغلول أن يثنيه عن لعب الورق، ومع أن سعد كان يلعب الورق أيضا، فإنه راح ينصح صديقه أن يكف عن اللعب فلم يستطع . وأراد قاسم أمين أن يضمنه سعد زغلول فى دين، وتصور قاسم أن سعد متردد فى تقديم الضمان، وتأثر قاسم أمين ، فحدثت قطيعة بين الصديقين .. وتعرض سعد زغلول بعد ذلك لأزمة سياسية، فلم يقف قاسم أمين بجوار سعد كعادته دائما. واستمرت القطيعة بضعة شهور.. ثم فجأة دق جرس التليفون. نترك سعد زغلول يروى فى مذكراته ما حدث فى فصل بعنوان «موت صديقى قاسم»: إذا بالتليفون يدق، فدق قلبى لدقه، وسمعت أحمد (خادم سعد) فى التليفون يردد بصوت منزعج: قاسم أمين! ففهمت أنه نزل به مصاب، فانخلع قلبى، وقمت منزعجا نحو التليفون. وسألت، فقيل لى قاسم بك مات. فاعترانى هلع شديد. وقلت : انتحر الرجل. ثم طلبت عربة. وركبت مع عبدالخالق ثروت (باشا) ومحمد صدقى (باشا) إلى بيته، فوجدت العويل، والصراخ، والبكاء. وهناك رأينا أحمد طلعت ويحيى إبراهيم والدكتور عباس. وفهمنا من مجموع أقوالهم أنه عاد إلى منزله فى الساعة الثامنة، وأبى أن يأكل مع الآكلين وتألم من شىء فى أعلى صدره، فدعكته زوجته بماء الكولونيا. وطلب (قاسم أمين) نارا لإشعال سيجارة. ثم فارق الحياة. وقد تحدث من كانوا فى المكان بالانتحار. وسألت الدكتور عباس عن حقيقة الأمرفقال أنه موت طبيعى ولكن كان فى جوابه شىء من التردد، وكررت أقوالى عليه فى الغد، فأجاب بعد سكوت بأن الموت طبيعى، إنما كان عاشقا. فقلت له : أعرف شيئا من ذلك. قال : لا تقل! ولكن لم أفهم كون الحب يفضى إلى هذه الحالة. ثم قال بعض الحاضرين أنه أمن على حياته نظير مبلغ. فأردت التحقق من الخبر. فقام طلعت وأحضر جعبة أوراقه، ووجدت فيها ورقة من شركة تفيد أنه أمن على نفسه نظير مبلغ يدفعه سنويا، مقداره نحو 500 جنيه، وفى حالة الوفاة تلتزم الشركة بأن تدفع لورثته مبلغ عشرة آلاف جنيه. فقلت : الأحسن أن تخفوا ذلك، لأنه إن ظهر ربما حصلت صعوبات من طرف الدائنين أو بعضهم. ومكثت إلى الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، وكان حضر حسين رشدى باشا، وفتحى زغلول باشا ومحمد راسم ومحمد سعيد باشا. وذهبت إلى البيت مع فتح الله بك بركات، وكنت أشعر بألم شديد على نفسى، وكثر ما تردد على خاطرى ماطرأ على الصحبة بيننا من أسباب الضعف. وبت طول ليلى بين التأثر عليه تارة عندما أذكر صداقته ، والتأثر فيه تارة عندما أذكر هجره لى.. هذا الهجر الذى كثر فى الأيام الأخيرة، وانصرافه عن مساعدتى، وقت اشتداد حاجتى إليه، خفف كثيرا من تأثرى عليه. وهذا لطف من الله بى، لأنه لو حل به الموت، والصداقة فى قوتها، لفاضت روحى معه.ومع ذلك فقد كنت أول من توجه فى الصباح إلى منزله باكرا، ولم أذق فى ليلتى طعم النوم، ومكثت هناك أباشر مايلزم من مسائل تشييع الجنازة، ودفعت شيكا بمبلغ سبعين جنيها للصدقات. ثم فى الساعة 9 توجهت إلى المحطة لتشييع محمد على البرنس. وعدت فجلست فى المكان الذى تقام الخيمة فيه حتى الظهر، وتوجهت إلى البيت حيث أكلت، ثم عدت فى الساعة 2، وكنت أستقبل الناس. وقد حضر المستشارون (الإنجليز) إلا المستشار المالى. والنظار إلا مصطفى فهمى وفخرى وبطرس غالى، وكثير من حملة الأقلام والقضاء وأعضاء النيابة والعلماء والذوات والبرنسان أحمد فؤاد ( الملك فؤاد فيما بعد) وحيدر فاضل. ثم كتب سعد «واتجه الرأى إلى كتابة كلمة تلقى على قبره باسم أصدقائه فاستغنيت بتلك الفكرة عن قول كلمتى. وافتكرت فى إبراهيم الهلبارى وساعدنا فى إنشائها حسين رشدى. وكلفت فتحى زغلول بإلقائها. اسم المرأة فى مذكرات سعد إن سعد زغلول كتب فى مذكراته اسم المرأة التى انتحر من أجلها قاسم أمين محرر المرأة، قال بصراحة أنها المطربة وسيلة. وتردد أن المطربة وسيلة كانت امرأة فاتنة الجمال رخيمة الصوت يلعب صوتها بأوتار القلوب، وتلعب أصابعها بأوتار العود، ترفض أن تغنى فى الحفلات العامة ولا تغنى إلا فى قصور الأمراء والأميرات. وكانت المطربة وسيلة تتردد على قصر الأميرة نازلى ابنة الأمير مصطفى فاضل باشا نجل إبراهيم باشا بن محمد على باشا الكبير. وكان والدها مصطفى فاضل يعتبر نفسه أحق بعرش مصر من الخديو إسماعيل، ولهذا كانت الأميرة نازلى تعلن الحرب على الخديوى عباس بن توفيق بن إسماعيل ، وتحتضن كل من يحارب الخديوى أو يقاوم نفوذ القصر. وكان سعد زغلول فى تلك الأيام يكسب من المحاماة أكثر من أى محام فى مصر، بل أكثر من راتب رئيس الوزراء ومعه وزيران فى الوزارة، إذ كان يكسب فى العام ستة آلاف جنيه ذهبا! وكانت المطربة وسيلة تغنى للحب والهوى والغرام، وكانت الأميرة نازلى تنظر إلى سعد زغلول بطرفى عينيها وتهمس قائلة: أمان يا للى أمان! وإذا بأغانى الحب لاتؤثر فى سعد زغلول ويتزوج من صفية زغلول! ولكن أغانى الحب نفسها هزت قلب القاضى الشاب قاسم أمين.. كان قاسم أصغر الشبان الذين يترددون على قصر الأميرة، وكان أجملهم. عيناه واسعتان. شاربه الأسود قصير.. شعره الأسود الناعم. كان أقرب إلى الفنان منه إلى القاضى. وإذا بالمطربة الشابة وسيلة تقع فى هوى القاضى الشاب واشتد الحب العاصف. وإذا بالمطربة الشابة تطلب من قاسم أمين أن يتزوجها.. ولم يكن معقولا أن يتزوج الرجل الذى يدعو إلى تحرير المرأة من زوجتين فى وقت واحد. ووقف أصدقاء قاسم والمعجبون به ضد هذه المطربة واتهموها بأنها تريد أن تقتل رجلا من أعظم رجال مصر. ولم يستطع قاسم أن يتخلى عن زوجته ولا أن يتخلى عن المرأة التى يحبها فانتحر. هذه هى القصة التى كانت تتردد فى تلك الأيام.. ولكن راجيكم فى «أخبار اليوم» أن تحققوها تاريخيا. عليكم أولا أن تحصلوا على اسم هذه المطربة مكتوبا بخط سعد زغلول وتصوروه من المذكرات بالزنكوغراف. والمذكرات موجودة الآن فى متحف وزارة الثقافة.. وعليكم أن تحاولوا الحصول على صورة للمطربة وسيلة فى شبابها، وأن تحاولوا أن تتتبعوا أخبارها.. ماذا فعلت بعد انتحار قاسم أمين ؟هل أحبت ؟هل تزوجت؟ هل ماتت مشردة لاتجد قوت يومها؟وعليكم أن تذهبوا إلى الأستاذ قاسم أمين أكبر أحفاد قاسم أمين، وقد كان متزوجا السيدة روزاليوسف، وأعتقد أنه يعرف تفاصيل مما كان يسمعه من والدته وجدته زينب هانم قاسم عن هذه المطربة التى حطمت حياة رجل من أعظم رجال مصر! هذه مهمة الصحافة عندما لاتجد موضوعــات إخبارية تستطيع أن تكتب فيها! انتهى ماكتبه الكاتب الكبير الأستاذ «مصطفى أمين».
المصدر : صباح الخير
سنة خامسة سجن» والذى يروى فيه ذكرياته ومذكراته وحكايات سياسية وصحفية واجتماعية كان شاهداً عليها أو مشاركاً فيها، واتخذ الكتاب شكل الرسائل التى يبعث بها مصطفى أمين السجين منذ عام 1965 حتى أفرج عنه الرئيس أنور السادات سنة 1974. فى الفصل الثانى عشر من الكتاب وعنوانه «هل أحب قاسم أمين مطربة! يروى مصطفى أمين قصة عشق وغرام لا حدود لها بين محرر المرأة ومطربة عصرها وفاتنة زمانها «وسيلة»! وإليكم الحكاية والسر واللغز وكما رواه مصطفى أمين!«رشاد» سجن ليمان طرة فبراير سنة 1970 قرأت فى عدد مجلة «الكواكب» رقم 969 الصادر فى 24 فبراير سنة 1970 اسم امرأة! لم يعرف المحررون أنهم يكتبون اسم امرأة خطيرة كانت فى يوم من الأيام ملكة جمال، ومطربة، وجاء اسمها فى مذكرات سير رونالد ستورس السكرتير الشرفى للمعتمد البريطانى فى مصر، وتردد ذكرها فى التقارير السرية التى كان يكتبها قناصل الدول الأجنبية فى مصر إلى حكوماتهم! بل أهم من هذا كله لم يعرفوا أن هذه السيدة الخطيرة كانت السبب المباشر فى انتحار قاسم أمين محرر المرأة! جاء فى صفحة بعنوان «الفن من 50 سنة» يقول سامى شوا - عازف الكمان المشهور - فى مذكراته أن سعيد باشا ذو الفقار كبير الأمناء طلب منه الحضور إلى قصر السلطان حسين «فحملت الكمان، وذهبت إلى السراى، وصعدت إلى جناح السلطان حسين، ووجدت مطربة السراى وسيلة ماثلة فى حضرته، وكانت مشهورة بإجادتها العزف على العود، وغناء الموشحات والأدوار، التى كان يغنيها عبده الحامولى، ولديها محصول كبير من البشارف، تعلمتها على يد أستاذها أحمد الليثى، وطلب السلطان أن تعزف له بشرف ثقيل الرصد، وعزفنا، أنا على الكمان ووسيلة على العود، وكانت تجيد العزف عليه بشكل ساحر، ثم انطلقت تغنى فى صوت رخيم، طرب له السلطان غاية الطرب، حتى إننا كلما انتهينا من أحد الأدوار طلب السلطان دورا آخر، حتى منتصف الليل» وبعد عشرة أيام استدعى السلطان سامى الشوا ليعزف بصحبة وسيلة، وظل السلطان يستدعينى كل بضعة أيام لأعزف له مع غناء وسيلة ما يحب سماعه». انتهى ما نشرته مجلة الكواكب... وبدأت أعود إلى ذكريات طفولتى فى بيت سعد زغلول، كانت تتردد على صفية زغلول سيدة طويلة القامة، ذات عينين واسعتين جميلتين، وذات شعر طويل يمتزج فيه السواد والبياض.. وكان اسمها وسيلة هانم.. وكانت كلما تسمع أن السيدة زينب هانم أرملة قاسم أمين تصعد درجات سلم البيت تضطرب وتختفى ثم تهرب من الباب الخلفى! وكان هذا المنظر العجيب يثير فضولنا ونحن أطفال.. وكان بعض سيدات الأسرة يمزحن مع وسيلة هانم هذه ويقلن لها «حرم قاسم أمين بك قادمة» فتقفز من مقعدها وتجرى عدوا لتختفى فى بدروم البيت.. ثم تعرف بعد ذلك أن الفتيات كن يمزحن معها، فتعود إلى مقعدها فى الصالون! وقيل لنا ونحن أطفال أن بينها وبين أرملة قاسم أمين خلافا شديدا، ولم نعرف وقتها، أو على الأصح لم يقل لنا أحد سبب هذا الخلاف الشديد! إن كل المؤرخين الذين كتبوا عن وفاة قاسم أمين قالوا أنه فى ليلة 23 أبريل سنة 1908 ألقى قاسم أمين خطابا فى نادى المعلمين وعاد إلى بيته، ثم شعر بألم وإرهاق، ثم أصيب بنوبة قلبية وتوفى على الأثر.. وكان المرحوم أحمد طلعت باشا وزير الحقانية ورئيس محكمة الاستئناف يروى لأصدقائه ولنا أنه كان أول من ذهب إلى بيت قاسم أمين عقب وفاته، ومعه يحيى إبراهيم باشا رئيس الوزراء السابق ورئيس مجلس الشيوخ السابق، وكانا مستشارين مع قاسم أمين فى محكمة الاستئناف، وأنهما وجدا فى جيبه حافظة نقوده وفتحا المحفظة فوجدا فيها صورة لسيدة ليست زوجته. وقال طلعت باشا «كلنا نعرف أن قاسم يحب هذه السيدة، وخشينا أن تقع الصورة فى يد زوجته زينب هانم، فيزداد مصابها هولا، واتفقت أنا ويحيى إبراهيم على أن نمزق الصورة إربا، وفعلاً مزقناها برغم أننا نعرف أنه كان حبا عذريا طاهرًا! ورفض طلعت باشا أن يذكر اسم السيدة المجهولة، وقال أن اسمها سر سيذهب معى إلى القبر، وعندما طلبنا منه أن نروى القصة على لسانه رفض، وقال أنه من الممكن كتابة القصة بدون الإشارة إلى اسمه، ولم يكن فى استطاعة أحد أن ينشر مثل هذه الرواية الغريبة، ومات طلعت باشا ولم يترك مذكرات عن هذا الحادث العجيب، وما كان لمؤرخ أن يعتمد على مثل هذه الرواية الخطيرة، فإن أحمد طلعت باشا مات، ويحيى إبراهيم باشا مات، ولكن هناك أشياء لا تموت وهى المستندات التاريخية، فقد ظهرت فى مذكرات الزعيم سعد زغلول خمس صفحات بخط يده تكشف الستار عن سر وفاة محرر المرأة. وقبل إزاحة الستار عن هذا السر يحسن أن نشرح العلاقة التى كانت بين قاسم أمين وسعد زغلول. المرأة الجديدة كان قاسم أمين لا يفترق عن سعد زغلول، وكان قاسم أمين هو الذى توسط فى زواج سعد زغلول بصفية زغلول، وكان سعد زغلول هو الذى وقف إلى جوار قاسم أمين عندما أصدر كتاب «تحرير المرأة»، وهوجم بعنف وضراوة، واتهم بالكفر والدعارة، ومنع من دخول قصر الخديو بدعوى أنه يدعو للإباحية، وأقفل الناس بيوتهم فى وجهه، وذهب عدد من الشبان المتحمسين إلى بيته فى شارع الهرم، واقتحموا البيت، وطالبوا قاسم أن يسمح لهم بأن يجتمعوا بزوجته على انفراد تطبيقًا لدعوته إلى سفور المرأة! عندما أقفل كبار المصريين بيوتهم فى وجه قاسم أمين فتح سعد له بيته، ودعاه هو وزوجته ليتناول الغداء والعشاء على مائدته ومائدة صفية زغلول، وأصر أن يخرج فى عربة مع قاسم أمين ويطوف شوارع العاصمة متحديا الأصدقاء الذين نصحوه بألا يظهر مع قاسم أمين فى مكان عام، وإلا ضربه الناس بالطوب! وعندما وضع قاسم أمين كتابه الثانى «المرأة الجديدة» متحديا العاصفة الهوجاء، ومطالبا بأن تحضر المرأة مجالس الرجال وتمارس الأعمال الحرة، أهدى كتابه الجديد إلى سعد زغلول صديقه الحميم ونصيره الأول.. ثم حدث خلاف بين الصديقين بسبب غريب. فقد كان قاسم أمين شأن كل الرجال الكبار فى ذلك العصر يحاول أن ينسى همومه فى لعب الورق .. وخسر مبالغ طائلة، أودت بثروته، وحاول سعد زغلول أن يثنيه عن لعب الورق، ومع أن سعد كان يلعب الورق أيضا، فإنه راح ينصح صديقه أن يكف عن اللعب فلم يستطع . وأراد قاسم أمين أن يضمنه سعد زغلول فى دين، وتصور قاسم أن سعد متردد فى تقديم الضمان، وتأثر قاسم أمين ، فحدثت قطيعة بين الصديقين .. وتعرض سعد زغلول بعد ذلك لأزمة سياسية، فلم يقف قاسم أمين بجوار سعد كعادته دائما. واستمرت القطيعة بضعة شهور.. ثم فجأة دق جرس التليفون. نترك سعد زغلول يروى فى مذكراته ما حدث فى فصل بعنوان «موت صديقى قاسم»: إذا بالتليفون يدق، فدق قلبى لدقه، وسمعت أحمد (خادم سعد) فى التليفون يردد بصوت منزعج: قاسم أمين! ففهمت أنه نزل به مصاب، فانخلع قلبى، وقمت منزعجا نحو التليفون. وسألت، فقيل لى قاسم بك مات. فاعترانى هلع شديد. وقلت : انتحر الرجل. ثم طلبت عربة. وركبت مع عبدالخالق ثروت (باشا) ومحمد صدقى (باشا) إلى بيته، فوجدت العويل، والصراخ، والبكاء. وهناك رأينا أحمد طلعت ويحيى إبراهيم والدكتور عباس. وفهمنا من مجموع أقوالهم أنه عاد إلى منزله فى الساعة الثامنة، وأبى أن يأكل مع الآكلين وتألم من شىء فى أعلى صدره، فدعكته زوجته بماء الكولونيا. وطلب (قاسم أمين) نارا لإشعال سيجارة. ثم فارق الحياة. وقد تحدث من كانوا فى المكان بالانتحار. وسألت الدكتور عباس عن حقيقة الأمرفقال أنه موت طبيعى ولكن كان فى جوابه شىء من التردد، وكررت أقوالى عليه فى الغد، فأجاب بعد سكوت بأن الموت طبيعى، إنما كان عاشقا. فقلت له : أعرف شيئا من ذلك. قال : لا تقل! ولكن لم أفهم كون الحب يفضى إلى هذه الحالة. ثم قال بعض الحاضرين أنه أمن على حياته نظير مبلغ. فأردت التحقق من الخبر. فقام طلعت وأحضر جعبة أوراقه، ووجدت فيها ورقة من شركة تفيد أنه أمن على نفسه نظير مبلغ يدفعه سنويا، مقداره نحو 500 جنيه، وفى حالة الوفاة تلتزم الشركة بأن تدفع لورثته مبلغ عشرة آلاف جنيه. فقلت : الأحسن أن تخفوا ذلك، لأنه إن ظهر ربما حصلت صعوبات من طرف الدائنين أو بعضهم. ومكثت إلى الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، وكان حضر حسين رشدى باشا، وفتحى زغلول باشا ومحمد راسم ومحمد سعيد باشا. وذهبت إلى البيت مع فتح الله بك بركات، وكنت أشعر بألم شديد على نفسى، وكثر ما تردد على خاطرى ماطرأ على الصحبة بيننا من أسباب الضعف. وبت طول ليلى بين التأثر عليه تارة عندما أذكر صداقته ، والتأثر فيه تارة عندما أذكر هجره لى.. هذا الهجر الذى كثر فى الأيام الأخيرة، وانصرافه عن مساعدتى، وقت اشتداد حاجتى إليه، خفف كثيرا من تأثرى عليه. وهذا لطف من الله بى، لأنه لو حل به الموت، والصداقة فى قوتها، لفاضت روحى معه.ومع ذلك فقد كنت أول من توجه فى الصباح إلى منزله باكرا، ولم أذق فى ليلتى طعم النوم، ومكثت هناك أباشر مايلزم من مسائل تشييع الجنازة، ودفعت شيكا بمبلغ سبعين جنيها للصدقات. ثم فى الساعة 9 توجهت إلى المحطة لتشييع محمد على البرنس. وعدت فجلست فى المكان الذى تقام الخيمة فيه حتى الظهر، وتوجهت إلى البيت حيث أكلت، ثم عدت فى الساعة 2، وكنت أستقبل الناس. وقد حضر المستشارون (الإنجليز) إلا المستشار المالى. والنظار إلا مصطفى فهمى وفخرى وبطرس غالى، وكثير من حملة الأقلام والقضاء وأعضاء النيابة والعلماء والذوات والبرنسان أحمد فؤاد ( الملك فؤاد فيما بعد) وحيدر فاضل. ثم كتب سعد «واتجه الرأى إلى كتابة كلمة تلقى على قبره باسم أصدقائه فاستغنيت بتلك الفكرة عن قول كلمتى. وافتكرت فى إبراهيم الهلبارى وساعدنا فى إنشائها حسين رشدى. وكلفت فتحى زغلول بإلقائها. اسم المرأة فى مذكرات سعد إن سعد زغلول كتب فى مذكراته اسم المرأة التى انتحر من أجلها قاسم أمين محرر المرأة، قال بصراحة أنها المطربة وسيلة. وتردد أن المطربة وسيلة كانت امرأة فاتنة الجمال رخيمة الصوت يلعب صوتها بأوتار القلوب، وتلعب أصابعها بأوتار العود، ترفض أن تغنى فى الحفلات العامة ولا تغنى إلا فى قصور الأمراء والأميرات. وكانت المطربة وسيلة تتردد على قصر الأميرة نازلى ابنة الأمير مصطفى فاضل باشا نجل إبراهيم باشا بن محمد على باشا الكبير. وكان والدها مصطفى فاضل يعتبر نفسه أحق بعرش مصر من الخديو إسماعيل، ولهذا كانت الأميرة نازلى تعلن الحرب على الخديوى عباس بن توفيق بن إسماعيل ، وتحتضن كل من يحارب الخديوى أو يقاوم نفوذ القصر. وكان سعد زغلول فى تلك الأيام يكسب من المحاماة أكثر من أى محام فى مصر، بل أكثر من راتب رئيس الوزراء ومعه وزيران فى الوزارة، إذ كان يكسب فى العام ستة آلاف جنيه ذهبا! وكانت المطربة وسيلة تغنى للحب والهوى والغرام، وكانت الأميرة نازلى تنظر إلى سعد زغلول بطرفى عينيها وتهمس قائلة: أمان يا للى أمان! وإذا بأغانى الحب لاتؤثر فى سعد زغلول ويتزوج من صفية زغلول! ولكن أغانى الحب نفسها هزت قلب القاضى الشاب قاسم أمين.. كان قاسم أصغر الشبان الذين يترددون على قصر الأميرة، وكان أجملهم. عيناه واسعتان. شاربه الأسود قصير.. شعره الأسود الناعم. كان أقرب إلى الفنان منه إلى القاضى. وإذا بالمطربة الشابة وسيلة تقع فى هوى القاضى الشاب واشتد الحب العاصف. وإذا بالمطربة الشابة تطلب من قاسم أمين أن يتزوجها.. ولم يكن معقولا أن يتزوج الرجل الذى يدعو إلى تحرير المرأة من زوجتين فى وقت واحد. ووقف أصدقاء قاسم والمعجبون به ضد هذه المطربة واتهموها بأنها تريد أن تقتل رجلا من أعظم رجال مصر. ولم يستطع قاسم أن يتخلى عن زوجته ولا أن يتخلى عن المرأة التى يحبها فانتحر. هذه هى القصة التى كانت تتردد فى تلك الأيام.. ولكن راجيكم فى «أخبار اليوم» أن تحققوها تاريخيا. عليكم أولا أن تحصلوا على اسم هذه المطربة مكتوبا بخط سعد زغلول وتصوروه من المذكرات بالزنكوغراف. والمذكرات موجودة الآن فى متحف وزارة الثقافة.. وعليكم أن تحاولوا الحصول على صورة للمطربة وسيلة فى شبابها، وأن تحاولوا أن تتتبعوا أخبارها.. ماذا فعلت بعد انتحار قاسم أمين ؟هل أحبت ؟هل تزوجت؟ هل ماتت مشردة لاتجد قوت يومها؟وعليكم أن تذهبوا إلى الأستاذ قاسم أمين أكبر أحفاد قاسم أمين، وقد كان متزوجا السيدة روزاليوسف، وأعتقد أنه يعرف تفاصيل مما كان يسمعه من والدته وجدته زينب هانم قاسم عن هذه المطربة التى حطمت حياة رجل من أعظم رجال مصر! هذه مهمة الصحافة عندما لاتجد موضوعــات إخبارية تستطيع أن تكتب فيها! انتهى ماكتبه الكاتب الكبير الأستاذ «مصطفى أمين».
المصدر : صباح الخير
لكن بعد الزواج أيضًا لم يوافق الشقيق على الزواج، فقد كانت تقاليد العائلة أه لها الحق في أن ترفض من لا تريده، ولكن ليس لها الحق في أن تتزوج من تريده، وكانت في قرارة نفسها تريد أن تتزوج اليوزباشي جمال عبد الناصر.
بعد شهور قليلة تُوفيت والدة تحية، فأصبحت تعيش مع أخيها، الذي تولى إدارة ما تركه الوالد الذي كان على جانب من الثراء، وكان شقيقها مثقفًا إذ كان من خريجي كلية التجارة، ويعمل في التجارة والأعمال المالية والصفقات في البورصة، وكان شديدًا في البيت، محافظًا لأقصى درجة، لكنه كان كعادة المصريين له حياته الخاصة التي لا يعرف أحد عنها شيئًا.
مكثت تحية مع شقيقها بضعة شهور، وحيدة تزورها شقيقاتها، وفي يوم زارتها شقيقتها وقالت لها: "إن عم اليوزباشي جمال عبد الناصر وزوجته زاروهم وسألا عنك"، وقالا لها: "إن يجمال يريد الزواج من تحية.
حال منزل الزعيم الخالد جمال عبد الناصر
كان التاريخ الذي لم تنسه تحية عبد الناصر هو 14 يناير 1944، في هذا اليوم قابل جمال شقيقها، وتم تحديد موعد الخطوبة، ولبس الدبل والمهر، وكل مقدمات الزواج بعد أسبوع، كان هذا الحديث بعد أن جلست تحية في الصالون فترة وخرجت.
وفي يوم 21 يناير سنة 1944، أقام شقيقها حفلة عشاء دعا فيها أقارب العائلة، وحضر والد عبد الناصر وعمه وزوجته، وألبسها الدبلة، وقال لها إنه كتب عليها التاريخ يوم 14 يناير، وكان يقصد أول يوم أتى لزيارتها، ثم أضاف أنه عندما زارها لم يحضر لرؤية هل تعجبه أم لا، كما كانت العادة في هذه الأيام، وكان هذا ما فهمته تحية من جمال.
قرر شقيقها أن يكون عقد القران يوم الزفاف بعد إعداد المسكن، وأن يحضر جمال لزيارتها يومًا واحدًا في الأسبوع بحضور شقيقتها الكبرى، أو بحضوره هو، ولأن حضور شقيقها في البيت كان قليلاً جدًّا، فكانت الشقيقة الكبرى تحضر قبل وصوله مباشرة، وتقبَّل جمال كل شروط الشقيق الأكبر لتحية، ولما أبدى رغبته في الخروج معها بصحبة شقيقتها وزوجها، لم يمانع شقيقها.
لاحظت تحية أن جمال عبد الناصر لا يحب الخروج لمجرد الخروج، فهو لم يكن يذهب ليجلس في مكان أو يتمشى في شارع بعينه، ولكنه كان يفضل السينما وأحيانًا المسرح، واصطحبها مرة إلى مسرح الريحاني، ولأنها لم تكن قد رأت شيئًا كثيرًا، فقد كان كل شيء بالنسبة لها جديدًا.
بعد خمسة شهور ونصف، وفي يوم 29 يونيو سنة 1944 أقام عبد الناصر حفل زفافه على تحية، وبعد عقد القران مباشرة خرجت مع جمال عبد الناصر للمصوِّر أرمان، وكان جمال قد حجز الميعاد من قبل، وكانت أول مرة تخرج معه دون شقيقتها وزوجها، ملأ لها العربة بأكاليل الورد لتظهر في الصورة.
رجعا إلى بيت شقيقها في الواحدة والنصف صباحًا، وبعد أن انصرف المدعوون وانتهى حفل الزفاف، وكانا جالسين في الصالون، دخل شقيقها ونظر في ساعته، وقال لهما: "الساعة الآن الواحدة فلتبقوا ساعة أخرى أي حتى الساعة الثانية".
كان الأقارب جميعًا قد انصرفوا، وكان شقيق تحية متأثرًا للغاية، فقال له جمال: "سنبقى معك حتى تقول لنا روحوا"، وفي الساعة الثانية صباحًا قام شقيق تحية وبكى، وسلم على تحية وقبلها وقال لهما: اذهبا الآن.
لم ينس جمال عبد الناصر ما فعله شقيق تحية معه، فقد جعله يمتثل لكل ما قاله وطلبه، وتذكر تحية أنها كانت جالسة مع جمال وأولادهما على السفرة يتناولون الغداء، وفوجئت بعبد الناصر يقول لأولاده متذكرًا شقيقة زوجته: "الوحيد في العالم الذي أملى عليَّ شروطًا وقبلتها كان عبد الحميد كاظم".
انتقلت تحية عبد الناصر إلى منزل الزوجية، لم تكن قد رأت المسكن من قبل ولا الفرش ولا الجهاز، كان المسكن في بيت بالدور الثالث، صعدت السلالم معه حتى الدور الثاني، ثم حملها إلى الدور الثالث، حيث المسكن، وكان طابقًا بأكمله، وله ثلاثة أبواب، باب على اليمين، وباب على اليسار، وباب على الصالة، الأول يوصل لحجرة السفرة، والثاني لحجرة الجلوس، والثالث وهو باب الصالة في الوسط.
وجدت تحية البيت كله مضاءً، مكونًا من خمس غرف، أمسك جمال بيدها، وأدخلها كل حجرات المنزل لتتفرج عليها، وقد عجبها فيه كل شيء، وكانت في غاية السعادة، وصرفت في تأسيس منزلها مما ورثته من أبيها، وبدأت حياتها بسعادة مع زوجها الحبيب، كانت تعيش ببساطة بمرتب جمال، وتركت أخيها وثراءه ولم تفتقد أي شيء حتى التليفون نسيته، ولم تشعر أن هناك شيئًا ناقصًا.
أول مرة خرجت فيها تحية من بيتها، كانت بعد زواجها بثلاثة أيام، وكانت إلى المصور أرمان لترى بروفة الصور، وكانت صورتين، قال لها جمال: اختاري التي تعجبك، واختارت الصورة المعلقة في صالون منشية البكري مع صورة أولادها.
تزوج عبد الناصر تحية زواج صالونات إذن، لم تجمع بينهما قصة حب، مجرد حكاية تقليدية تحدث في كل مكان وفي كل وقت، وهي حكايات في الغالب تنجح، لكن هل عاش جمال عبد الناصر حياته قبل أن يتزوج تحية دون قصة حب؟
الإجابة عند شفيق أحمد علي الذي أحدث دويًّا بكتابه الشهير "المرأة التي أحبها عبد الناصر".
يقول شفيق: "لم نقرأ في أي صحيفة اسم زوجة عبد الناصر – حتى بعد وفاته – مجردًا من أي صفة، قرأناه دائمًا مرصعًا بصفة السيدة الجليلة، وقرأناه أيضًا مقترنًا بما يقطع بأنها المرأة الوحيدة التي أحبها وتمناها عبد الناصر طوال حياته، أما أنها سيدة جليلة، فهذا بالقطع أكيد، وأما أنها المرأة الوحيدة التي عرفها وأحبها طوال حياته فهذا بالضبط غير صحيح".
ومن لا يصدق يفتح جريدة الأهرام الصادرة في 17 مايو سنة 1970 على صفحة الوفيات، إن كان يهمه أن يعرف اسم أول امرأة خفق لها قلب عبد الناصر، وإن كنت أثق – الكلام لا يزال لشفيق أحمد علي – في أنكم ستوافقونني على عدم ذكر اسمها الحقيقي في هذه السطور، خصوصًا أنها رحلت عن دنيانا.
شيعت جنازة هذه السيدة في تمام الحادية عشرة من صباح 17 مايو 1970، شيعت ولم تذكر صفحة وفيات الأهرام، ما ذكره المستشار حسن النشَّار (زميل عبد الناصر في الدراسة والذي عرف القصة كلها من ناصر مباشرة) مؤكدًا بأن عبد الناصر وضع يومها على عينيه نظارة سوداء، وأسدل ستائر سيارته من كل جانب، وسار بها وحده، بضعة أمتار خلف الجنازة دون حراسة، ودون أن يشعر به أحد.
في 28 مايو 1939 كتب عبد الناصر بخط بيده في رسالة إلى حسن النشَّار، أنه أحب سين هانم، ويتمنى لو يتزوجها، وأنه كان ينتظرها أمام سينما فيكتوريا ليمتع نظره برؤيتها كل أيام الأسبوع، فيما عدا يومي السبت والثلاثاء.
لا تهمني كثيرًا هنا تفاصيل قصة الحب التي حققها شفيق أحمد علي في كتابه الجريء، ومن يرغب في معرفة المزيد فليرجع إليه، لكن يهمني أن تحية لم تكن المرأة الأولى في حياة عبد الناصر، بحثت في مذكرات تحية عن أي ظلال لهذه المرأة، لكني لم أجد، وكأني بعبد الناصر يخفي قصته في قلبه، فلم يطلع عليها أحدًا، أي أحد.
كانت تحية في بيتها زوجة مصرية كما يريدها زوجها تمامًا، تقول إنهما: "كانا كأي زوجين نخرج ونستقبل الزوار، وأغلبهم من الأقارب يحضرون للتهنئة، ولاحظت أنه يفضل السينما، وأنا أفضلها".
كان جمال يخرج مع زوجته تحية يومًا واحدًا في الأسبوع، وكان الخروج غالبًا إلى السينما، وكان الموسم يبدأ بالأفلام الجديدة في سينما مترو، وريفولي وغيرهما، فكان جمال يحجز التذاكر من قبل ليختار المكان الذي يفضله، ويطلب منها أن تكون جاهزة للخروج في الوقت الذي يحدده، وذلك دون أن تطلب منه الخروج أصلاً معه، بل كان هو نفسه الذي يرتب يوم الخروج.
بعد أن عاد جمال من حرب فلسطين انتقل بزوجته وبنتيه – هدى ومنى – إلى بيت جديد في كوبري القبة، قال لتحية: قابلت ضابطًا أعرفه رتبته كبيرة يملك فيلا في كوبري القبة، وبنى دورين جديدين فوق الدور الأول، والدور الثاني فاضي، ففكرت نعزل ونسكن في كوبري القبة.
جمال عبد الناصر يلعب كرة قدم بالألوان
رحبت تحية بالانتقال إلى البيت الجديد، لم يطلب منها ناصر أن تذهب إلى رؤية البيت الجديد، لكنه ذهب بمفرده مع الضابط ورأى المسكن، ولما عاد قال لها: إنه لا بأس به فلتذهبي معي وتشوفيه، وكان الرد الطبيعي من تحية (لكنه قد يكون غير طبيعيًّا بالنسبة لأي امرأة): مش ضروري أشوفه ما دام عجبك، فلنعزل، وكوبري القبة مكان هادئ والدور التاني سلالمه سهلة، وكانت مقتنعة أنه أحسن من البيت الذي تسكنه.
عندما رأت تحية عبد الناصر بيتها الجديد، أعجبها وفرحت به جدًّا، كان المبنى عبارة عن البدروم، ثم الدور الأول، والثاني مسكنهم، ودور ثالث، ونفس نظام الأبواب الثلاثة كالبيت الأول مع اختلاف، إذ لا يوجد باب يوصل لحجرة السفرة، كالبيت الأول، فالباب الثالث على الشمال يوصل لمدخل صغير للمطبخ.
كان المسكن مكونًا من خمس حجرات منظمة، حجرة السفرة ملحقة بحجرة الصالون دون باب ولها باب على الصالة، والحجرتان تطلان على الشارع، الصالون به فراندة مستديرة على ناصية البيت تطل على الشارع العمومي، شارع مصر الجديدة، ومن خلاله يمكن رؤية الباص والتروماي والكوبري الذي يمر تحته المترو أمام المستشفى العسكري في ذلك الوقت، وهي الآن الكلية الفنية العسكرية.
حجرة المكتب كانت ملحقة بالصالة دون باب أيضًا، وبها فراندة وشباك في مواجهة الصالة، يطل على حديقة المنزل الذي يلي المنزل مباشرة، وفي الناحية الأخرى حجرتان للنوم.
النقلة الثالثة في حياة تحية كانت إلى بيت منشية البكري، وهو البيت الذي انتقلت إليه في أكتوبر 1952، وظلت فيه حتى ماتت، قال لها جمال: سننتقل من منزلنا إذ أصبح لا يناسبنا الآن السكن مع ناس آخرين في منزل واحد، وقال: يوجد بيتان، واحد كبير مكون من دورين، وبه عشر حجرات وفي قشلاق العباسية، وآخر في منشية البكري، بيت صغير به خمس حجرات.
سألته تحية: وهل هو قريب من شارع مصر الجديدة؟ قال: نعم، فقالت له: أفضل البيت القريب من الشارع العمومي، ولا أسكن البيت الكبير الذي في قشلاق العباسية، فوافق، وقال لها: اختاري الذي يعجبك، وجهزي نفسك للانتقال وأنا مشغول، ويمكنك العزال، وتخبرينني بالوقت الذي ستُنقل فيه مفروشات البيت الجديد.
نفذت تحية كل ما طلبه منها جمال، وانتقلت إلى بيت منشية البكري في 20 أكتوبر 1952، وكانت هذه أول مرة ترى فيه البيت كالبيتين السابقين، وفي المساء وعندما عاد جمال سألها: هل أعجبك البيت، فقالت: لم يعجبني، فرد قائلاً: إنك ستعتادين عليه.
واعتادت تحية على البيت فعلاً، قد كان هذا هو البيت الذي عاشت فيه، ومارست فيه أمومتها، وحميمية العلاقة بينها وبين جمال، استمعت فيه إلى ما كان يريد جمال أن يقوله فقط، لا ما تريد أن تعرفه هي، فهي لم تكن تسأله عن شيء، تكتفي فقط بأن تنصت لما يقوله، دون أن تطلب منه المزيد.
المجاهدة الجزائرية جميلة بو حيرد وجمال عبدالناصر
كان عبد الناصر يحجب عن تحية كل شيء، حتى أنه حجب عنها خبر وفاة شقيقها الأكبر، وقد نفهم ذلك أنها كانت في فترة ولادتها لابنها خالد. تقول هي عن ذلك: "مكثت في المستشفى حتى يوم 4 يناير سنة 1950، وكان جمال يزورني كل يوم كما هي عادته في المساء، وكانت هدى ومنى عند شقيقتي مدة وجودي في المستشفي، وفي اليوم التالي أحضرتهما لي شقيقتي ليريا البيبي، وبعد ذلك لم يزرني أحد من إخوتي، فكنت أفكر: إنهم لم يزوروني كعادتهم كل يوم، ولم يحضر أخي لزيارتي كعادته، ربما لبرودة الجو وكان ممطرًا".
بعد رجوع تحية إلى البيت، وفي اليوم التالي مباشرة، عاد جمال من عمله، وقال لها إنه معزوم على الغداء، وطلب منها أن تتغدى مع هدى ومنى، وحياها وخرج، فلم يعجبها وقت العزومة، وقالت في نفسها: من هذا الذي دعاه على الغداء وقد حضرت أمس فقط من المستشفى، وكانت تحب أن تتناول الغداء معه في أول يوم لها في البيت بعد الولادة.
تكمل تحية حكايتها، تقول: "رجع جمال في المساء، وكان الوقت قبل ميعاد تناولنا العشاء، وقال: أريد أن آكل حاجة خفيفة، فقمت وأحضرت له جبنة، وقلت في نفسى: إنه لا يحب إلا أكل البيت، ولم يأكل في العزومة، وأكل قليلاً وقام ودخل حجرة النوم، وقال: إني أشعر بصداع وتعب، وفي اليوم التالي كان الخميس موعد حفل أم كلثوم أول الشهر، في المساء خرج ورجع مبكرًا، وبعد تناولنا العشاء قال لي: إني متعب وسأنام ولتسمعي أنت أم كلثوم، فقلت له سأنام وأفضل ألا أسهر في خلال الأسبوع الأول من رجوعي من المستشفى".
مضت اثنا عشر يوما على رجوع تحية من المستشفى دون أن تزورها شقيقاتها، وفي يوم كانت تستريح مع جمال بعد الغداء في الحجرة، فقالت له: لم يحضر أحد من إخوتي وكان الوقت ممطرًا، لكن هذا لا يمنع أن يزوروني، فرد جمال، وقال: إن أخوك عبد الحميد تعبان جدًّا، وكان قد أصيب بأنفلونزا ورئته لا تتحمل واشتد عليه المرض.
تلتقط تحية الخيط من جمال، تقول: "قمت مسرعة، وقلت: فلأذهب لزيارته حالاً، وبدأت أستعد للخروج فقال لي جمال: إنك تعلمين أن كل واحد يعيش ما كتبه له الله من العمر، فقلت على الفور: يعني معناها إنه مات؟ فقال: نعم. من تاني يوم رجوعك من المستشفى، وقد أخبروني في الصباح، وذهبت هناك إلى منزله ومكثت طول اليوم، فعرفت أنه لم يكن في عزومة وأنه رجع البيت، حتى لا ألاحظ شيئًا وأتناول غدائي، كان وقع الخبر عليَّ شديدًا وبكيت كثيرًا، وعلمت أنه شدَّد على عسكري المراسلة أن يخبر الزوار الذين يحضرون لتعزيتي بأني لا أعلم بوفاة شقيقي".
تذكرت تحية أن عبد الناصر خلال هذه الأيام لم يفتح الراديو أبدًا، وكانت هي التي تفتحه وتسمع الموسيقى، واستعرضت كل ما دار بينهما وبدأت تفهمه، أخفى عبد الناصر الجرائد حتى لا تقرأ تحية الخبر، كانت مشغولة بخالد، لكنها أشارت في مذكراتها: "لم يترك أخي شيئًا من ثروته الكبيرة، إذ ضاعت كلها في المضاربات في البورصة، وتقلبات الأسعار في الفترة التي تلت انتهاء الحرب".
أقول إنه يمكن أن نلتمس لجمال العذر في إخفاء خبر وفاة شقيق تحية عنها، لكن جمال كان يخفي ما هو أكثر، والحادثة وقعت بعد الثورة، تقول تحية: "الوقت سنة 1953 شهر مايو، كان جمال يشعر بألم في بطنه، لم أعلم به إلا بعد مدة، لعدم وجوده في البيت أغلب الوقت، في يوم قبل خروجه في الصباح قال لي: سأحضر على الغداء وأريد أكلاً خفيفًا من الخضار المسلوق، لأني أشعر بألم في بسيط في بطني، جهزت الأكل كطلبه وحان وقت الغداء ولم يحضر، وبعد أن انتظرته تناولت الغداء، وقلت إنه مشغول ولم يجد وقتًا للحضور، حضر عبد الحكيم عامر وطلب مقابلتي، وقال لي: جمال الحمد لله بخير وفاق من البنج، بعد إجراء عملية المصران الأعور له، ويسأل عنك ويريدك أن تذهبي له في المستشفى الآن".
اندهشت تحية – كما تقول – وقال لعبد الحكيم: كيف أجريت له عملية ولم يقل لي، وتقول تحية: "ذهبت إليه في مستشفى الدكتور مظهر عاشور الضابط بالجيش، قلت له: كيف تجري عملية ولم أعرف؟ قال: لم أرد أن أزعجك، وقال: بعد أن خرجت من البيت في الصباح حضرت للمستشفى ومعي عبد الحكيم، وكنت مرتبًا من أمس الحضور للمستشفى وإجراء العملية، وحتى لا تعلمي بشيء قلت لك جهزي الغداء، وابتسم وقال: الحمد لله يا تحية".
كانت هذه المرأة قوية بما يكفي، إذ يأتيها من يخبرها بأن زوجها أجرى عملية جراحية دون أن تعلم وأنه أفاق، ثم تذهب لزيارته وكأنها غريبة عنه. قد تكون قوية، وقد تكون فقط تحية التي عرفت دورها في حياة عبد الناصر فالتزمت به
تحية عبد الناصر لم يكرهها أحد وربما أحبها كثيرون لكن ليس بشكل إعلامي..أما جيهان السادات فقد تقبلها الناس إلى حد كبير لأنشطتها الاجتماعية..
هكذا وصف الخبراء علاقة الشعب المصري بسيدات مصر الأوليات اللاتي توالت عليه منذ قيام ثورة يوليو 1952 وحتى ثورة يناير 2011.. محاولين إجابة السؤال عن الدور الذي يجب أن تلعبه زوجة الرئيس لكي تحظى بحب الشعب واحترامه ولكي تضيف لرصيد زوجها الحاكم لديه، وعن أدوات الحماية التي يجب أن تتسلح بها ضد التحولات النفسية والاجتماعية التى تحدث لها عندما تجد نفسها فجأة فى دائرة الضوء وموقع المسئولية، فلا تصل لمرحلة التصلب الفكري فتشوه صورة الزوج وتدق بتجاوزاتها أهم مسمار في نعش حكمه..
تحية.. ليدي مصرية
ترى نجلاء محفوظ ،الكاتبة وخبيرة التنمية البشرية، أن الناس تحترم شخص السيدة تحية عبد الناصر أكثر من غيرها لأنها نموذج للمرأه المصرية التى تدعم زوجها وتحترمه ولاتتدخل فى مهام عمله، فهى ليدي بحق اهتمت بزوجها وأحبته وهوما يظهر من خلال الخطابات، نشرت فى صحيفة الأهرام، التى أرسلها إليها الرئيس جمال عبد الناصر وهو على الجبهة، إضافه إلى أن السيدة تحية والرئيس جمال يمثلان نموذجا فريدا لم يتكرر فى مصر والبلدان العربية، فهناك احترام متبادل بين الطرفين وعلاقة راقية قدرها الشعب واحترمها.
جيهان.. ظهور إعلامي
أما عن السيدة جيهان السادات فتقول عنها محفوظ: إن بدايتها كانت سببا فى ترحيب الناس بها، خاصة فيما يتعلق بدورها المجتمعى وأنشطتها الاجتماعية و خاصه أنها اتسمت بملامح جميلة جذبت الناس إليها، ولكن ما أثير حول تدخلها فى شئون الدولة وماعرف بقوانين جيهان خلق شعورا بالاستياء تجاهها وبالذات عندما تزامن ذلك مع ظهورها العام بشكل متزايد، وهو ما أوحى للناس بأنها شخصية مسيطرة الأمر الذي قلل من شعبيتها، وبالتالى قلل من قدر زوجها على الرغم من تعاملها الودود مع الناس.
سوزان.. مشروعات وهمية
وعن رأيها فى نظرة الجماهير تجاه السيدة سوزان مبارك أكدت نجلاء أن ما عرف عنها أنها غير ملتزمة بالمواعيد حتى في المناسبات والاحتفالات الرسمية، وأن معظم الخطابات التى كانت تقوم بإلقائها كانت تُظهر أن من يقوم بكتابة هذه الخطابات ليس لديه الوعى الكافى بالإضافة إلى أنها فى أحد خطاباتها التى ألقتها قالت: إنها تريد قصصا علمية فقط بدون خيال وهى تتحدث هنا عن كتب الاطفال، وهو ما يوضح أن مستشاريها لم يكونوا على مستوى من الأمانة والكفاءة خاصه إذا عرفنا الدور الكبير الذى يلعبه الخيال فى كتب الأطفال فى تنمية مواهبهم، كما أن سوزان لم تكن ودودة فى حديثها مع الأشخاص ،وهو ما يظهر من خلال ظهورها الإعلامى، مما أظهرها كشخصية متسلطة وخصم من شخصيتها وانعكس سلبيا أيضا على شخصية مبارك وخصم من شعبيته على عكس شخصية تحيه عبد الناصر.
المنصب والتصلب الفكري
وفي تعبير لها عن الدور الايجابى الذي يجب أن تلعبه زوجة الرئيس تقول: سيدة مصر الأولى لا يجب أن تكتفى بجلوسها فى المنزل ولعب دور زوجة الرئيس فقط، ولكن من المفترض أن يكون لها دور إيجابى يتمثل فى أن تكون عينا أمينة لزوجها رئيس الجمهورية من خلال رصدها لآلام الناس ومشاكلهم ونقلها لزوجها بشكل صادق، وهو ما سيحقق لها ذاتها ويظهرها بمظهر يحترمه الشعب وينعكس على شخصية زوجها أيضا.
وحول سؤال عن مدى الآثار النفسية والاجتماعية التى تحدث لأى امرأة عادية عندما تجد نفسها فجأة فى دائرة الضوء وموقع المسئولية كشخصية قيادية، تجيب نجلاء: إن الانسان عندما تحدث له قفزة فى حياته فإنه يمر بمرحلة يشعر فيها بالدهشة وعدم التصديق، ثم تنخفض هذه الحالة تدريجيا إلى أن يصل إلى مرحلة يعتقد فيها أنه يستحق هذا المنصب عن جدارة، وإذا وصل لهذه الدرجة فإنه يصل لمرحلة تتراجع فيها إمكانياته وقدراته، لذلك يجب عليه وقتها أن يحتفظ بأصدقائه الذين كانوا معه قبل المنصب، وأن يطلب منهم دائما النصح و الإرشاد حتى لا يصاب بما يسمى بالتصلب الفكرى، وهى المرحلة التى يصنف فيها الناس التي تنتقده كأغبياء وخونة وينفرد برأيه ويؤمن بأنه الوحيد القادر على الفهم والسيطرة واتخاذ القرار.
المحبوبة والمقبولة والمكروهة
أما الدكتور وائل أبو هندي ،أستاذ الطب النفسي بجامعة الزقازيق، فهو يرى أن التأثير الذي يحدث عند التحول من زوجة رجل عادي إلى زوجة رئيس دولة يعتمد على عدة أشياء أهمها سمات الشخصية السابقة لها كامرأة، وهل هي تحب الظهور أم لا؟ من النوع الاجتماعي أم المنطوي؟ القنوع أم الطماع؟ مدى شعورها بالتحقق؟ ومدى طموحها للتحقق؟ هل لها علاقات بأجانب أم لا وما هي نظرتها إلى شعب بلدها؟
وكذلك شخصية الزوج أو الرئيس ومدى اهتمامه بآراء الناس في الشارع وآراء الحلفاء والأصدقاء في الدول الأخرى، والمناخ العام للدولة والثقافة السائدة .
وعن علاقة المصريين بسيدات مصر الأوليات يشرح: معظم المصريين لم يعرفوا زوجة الرئيس جمال عبد الناصر لأنه كان رجلا صعيديا، ولم تكن لا شخصيته ولا شخصية زوجته ولا مناخ مصر يسمح لها بأنشطة كالتي مارستها جيهان السادات أو سوزان مبارك.
فقد كانت السيدة تحية مصرية خالصة مثلها مثل الكثيرات من الأمهات المصريات، لذلك فإن زوجها استعان بها عند زيارة المناضلة جميلة بوحريد الجزائرية للبلاد وليس عند زيارة جيفارا على سبيل المثال، وبالتالي فإن السيدة تحية لم تحاول إفراد شخصية خاصة منفصلة عن زوجها وكان كافيا لها أنها زوجة هذا الرجل.
أما جيهان السادات فكانت شخصية نشيطة اجتماعيا منذ أيام دراستها الجامعية، فلم تكن من النوع الذي يمكن ألا يكون له نشاط اجتماعي حتى لو لم تكن أصبحت زوجة للرئيس، كما أن المناخ الثقافي والسياسي في مصر وقتها كان يسمح لها بأن تتحرك على المستوى الاجتماعي والدولي.
ويتابع: كانت أغلب مشروعات جيهان السادات نابعة من احتياج مصري حقيقي لأنها كانت صاحبة فكر، وما صدم المصريون كان خروجها لاستقبال الزعماء إلى جوار السادات، وبالتعود تقبل الناس أنه بروتوكول لكنهم لم يتقبلوا أبدا قبلة كارتر لها، وأكثر ما ضايقهم منها وأضاع شعبيتها لديهم أنها أخذت لقب سيدة مصر من الراحلة أم كلثوم.
أما شخصية سوزان مبارك ،والكلام مازال على لسانه، يوضح أبو هندي أنها لم يكن لها أي اهتمامات عامة قبل أن يفاجأ زوجها بأنه أصبح رئيسا لمصر ! ... يقول: منذ اللحظات الأولى لتحركاتها وأنشطتها الاجتماعية اتسمت تلك التحركات بأن أحاطها المنافقون والانتهازيون واللصوص، ومن العجيب أنها قربت هؤلاء اللصوص منها وجعلتهم من خاصتها، وجاءت معظم مشاريعها تنفيذا لأجندات غربية بشكل لا يخفى على أحد، وكانت تمارس نفوذها على كل الجهات التشريعية والتنفيذية حتى الأزهر ودار الإفتاء.
ومنتقدا للدور الذي لعبته يتهمها بأن أنشطتها السوزانية تعدت ما هو منتظر من زوجة الرئيس، فلم تقتصر على المشروعات الخيرية أو الثقافية أو حتى الاجتماعية وإنما امتدت لكل أوجه الأنشطة في الدولة، وفاحت رائحة الفساد منذ وقت مبكر حتى أصبحت المشروعات تقام بغرض النهب لا لشيء آخر! مضيفا أن مشكلتها تقترب جدا من مشكلة مبارك وهي نظرتها للمصريين باعتبارهم دون المستوى الإنساني وباعتبارهم عبئا وحملا على النظام.
منظومة الرئاسة
ويؤكد د.عمرو أبو خليل ،مدير مركز الاستشارات النفسية والاجتماعية، أنه فى أى بلد يكون هناك منظومة تتعامل من خلالها السيدة الاولى كأى مواطن كما يحدث فى بريطانيا والولايات المتحدة، ولكن فى إطار ماكان يحدث في مصر في عهد مبارك من نفاق وكذب أحاط بشخصية الحاكم فقد انتقل إلي السيدة الأولى الشعور بالكبر ووصل الأمر إلى التدخل فى شئون الدولة.
ويتفق الدكتور عمرو أبو خليل مع الاستاذة نجلاء محفوظ فى أن آخر خمس سنوات فى حياة سوزان أظهرت مدى تسلطها وتدخلها فى شئون الدولة، مضيفا أن المشروعات التى ارتبط اسمها باسم سوزان فقط جاء تأثيرها عكسيا لأنها ليست مشروعات حقيقية ولم تلب احتياجات المواطنين مثل مشروع القراءة للجميع الذي جاء في الوقت الذي لم يكن الطالب فى المدرسة يجد المأكل أو المشرب، وفي المقابل نجد الشيخة موزة فى قطر كل مشروعاتها حقيقية سواء التى تخدم الاسرة أوتدعم الراغبين فى الزواج.
ومخالفا لرأي نجلاء محفوظ يعرب أبو خليل عن أمله فى أن تكتفي سيدة مصر الأولى القادمة بدور زوجة الرئيس فقط ولا تتدخل فى شئون الدولة، وتعيش حياة طبيعية مستشهدا بزوجة أوباما التي لم تحضر معه فى زيارته